أحمد مصطفى المراغي
18
تفسير المراغي
إِخْواناً ) أي واذكروا أيها المؤمنون النعمة التي أنعم اللّه عليكم بها حين كنتم أعداء يقتل بعضكم بعضا ، ويأكل قويكم ضعيفكم ، فجاء الإسلام فألف بينكم وجمع جمعكم ، وجعلكم إخوانا ، حتى قاسم الأنصار المهاجرين أموالهم وديارهم ، وكان بعضهم يؤثر غيره على نفسه وهو في خصاصة وحاجة إليه ، وأطفأ الحروب التي تطاولت بين الأوس والخزرج مائة وعشرين سنة ، وأنقذهم مما هو أدهى وأمر وهو عذاب الآخرة . ( وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها ) أي وكنتم بوثنيتكم وشرككم باللّه ، كأنكم على طرف حفرة يوشك أن ينهار بكم في النار ، فليس بين الشرك والهلاك في النار إلا الموت ، والموت أقرب غائب ينتظر ، فأنقذكم الإسلام منها . وفي هذه الآيات جماع المنن التي أنعم بها عليهم ، فقد أخرجهم بالإسلام من الشرك ومخازيه ، وألف بين قلوبهم حتى صاروا سادة البشر ، حين كانوا يعملون بكتابه وأنقذهم بذلك من النار ، فسعدوا بالحسنيين . فانظر إلى آيات اللّه ، ودلائل قدرته ، كيف حوّل قوما متخاذلين تملأ قلوبهم الإحن والعداوات ، ويتربص كل منهما بالآخر ريب المنون - إلى جماعات متصافية القلوب ، مليئة بالحب والإخلاص ، وجهتهم جميعا واحدة ، هي حكم اللّه ورفعة دينه ، ونشره بين البشر . ( كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) أي كما بين لكم ربكم في هذه الآيات ما يضمره لكم اليهود من غشكم ، وبين لكم ما أمركم به ، وما نهاكم عنه ، وبين لكم الحال التي كنتم عليها في الجاهلية ، وما صرتم إليه في الإسلام ، ليعرفكم في كل ذلك مواقع نعمه - كذلك يبين سائر حججه في تنزيله على لسان رسوله ، ليعدّكم للاهتداء الدائم ، حتى لا تعودوا إلى عمل الجاهلية من التفرق والعدوان . والاختلاف الذي يقع بين البشر ضربان : ( 1 ) ضرب لا يسلم منه الناس ، ولا يمكن الاحتراس منه ، وهو الخلاف